جوهرة بكر
بير نبالا: بين جدار ومكان صعب
عندما زرتُ بير نبالا للمرّة الأولى، كنتُ في التاسعة من عمري. وقد فتنتني الأرضُ المترامية الأطراف التي كانت تحيط بالقرية، بجبالها التي اكتست حُلّةً خضراء وبنية اللوّن، التي تتّسم بها المنطقة الوسطى من فلسطين، وسمائها المفتوحة وقراها الكثيرة المنتشرة على أعالي التلال المحيطة بها. وإذ تقع بير نبالا بين رام الله والقدس، فقد كانت الموقع الوسيط الأمثل لأولئك الذين أرادوا أن يتجنّبوا ضجيج المدن الكبيرة، وأن يبقوا على قرْبٍ ملائم منها في الوقت ذاته.
لم يُعُد هذا المنظر المثالي الذي اكتست به قريتي ماثلاً للعَيان. فاليوم، لن تجدَ سوى طريق واحدة تُطرَق عندَ الدخول إلى بير نبالا والخروج منها، وهي الطريق ذاتها التي تخدم كل القرى الواقعة فيما يُسمَّى بجَيب بير نبالا. وما كان مشواراً تقطعه بسرعة في غضون عشرين دقيقة من بوابة دمشق في القدس وصولاً إلى الباب الأمامي لبيت جدّتي الذي يقع تماماً في وسط القرية ليس هو الطريق الطويل غير المباشر وغير المتواصل الذي يستغرق ما لا يقلّ عن ساعة ونصف وقد يبلغ الساعتيْن. فاليوم لا يمكن للمرء الذي يريد السفر إلى بير نبالا، التي تقع بمعظمها في منطقة ج، الوصول إليها إلا عبر مدخلها الضيّق الوحيد الذي يقع على جانب الضفة الغربية لحاجز قلنديا. أما المنطقة ج، فهي التسمية التي أُطلِقَت في اتفاقيات أوسلو على أراضي الضفّة الغربية التي تمارس إسرائيل عليها سلطتها الإدارية والأمنية.
يمكن للمرء، أياً كان، أن يتخيّل كم جعل هذا الوضع الحياة صعبةً للغاية بالفعل بالنسبة لسكان بير نبالا. فقبل أن أقدمت إسرائيل على تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل القدس، أقام عشرات الأشخاص بيوتهم ومشاريعهم التجارية في القرية نظراً لموقعها الملائم بين رام الله والقدس. وعندما كانت أمي طفلةً تترعرع في بير نبالا، كانت تجتاز الوديان والجبال إلى أن تصل إلى مدرسة البنات الأساسية في بيت حنينا. أما اليوم، يتعذّر على الأطفال أن يفعلوا ما فعلت أمي في طفولتها، إذ إنّ بيت حنينا، التي هي رسمياً جزءٌ من القدس، محاطةٌ بسياج وجدار وتعزلها المواقع العسكرية وبالكاد تستطيع قطّةٌ أن تجتازها، ناهيك عن شخص فلسطيني.
الجدار – ذلك الشيء البغيض الرمادي الذي يبلغ ارتفاعه بضعة أمتار والمُشين والقبيح الذي حاصر مناطق مبنية كثيرة في الضفة الغربية- يقطع مباشرةً الشارع الرئيس الذي كان يربط وقتاً ما بير نبالا بشارع رام الله –القدس. وقد أقامت إسرائيل خط القطع مباشرةً خارج منطقة عطاروت الصناعية، وهي منطقة إسرائيلية تضمّ مصانع ومستودعات، وتشكّل -وفقاً لبلدية القدس الغربية- جزءاًُ من القدس. هذا يعني، لسوء الحظ، أنّ منازل وممتلكات كثيرة تعود ملكيّتها لسكان بير نبالا انتهى بها المطاف على جانب “القدس” من الجدار معزولةً عن قريتها. حتى تلك المنازل التي بقيت في جانب بير نبالا الواقع في الضّفة الغربية، وتقع بالقُرب من جدار الفصل تُركَت وهُجِرَت. وما كان وقتاً ما القسم الرئيس لشارع عام ينبض بالحياة يمتد ما بين بير نبالا والرام ويصل إلى شارع رام الله القدس أصبح في الوقت الحاضر بلدة أشباحٍ مهجورة وفارغة. لقد أُعيدَ تشكيل بير نبالا بالفعل بحيث أصبحت تبعد عن موقعها الأصلي كيلومتراً على ذلك الطريق بعيداً عن الجدار، حيث عادت البيوت والشوارع تنبض بالحياة.
جوهرة بكرتعمل حاليا مديرة لقسم الإعلام والمعلومات في المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي والديمقراطية “مفتاح”، عملت جوهرة13 عاما في مجال الإعلام الفلسطيني، وتكتب حاليا افتتاحيات ومقالات إخبارية في موقع مفتاح الإلكتروني.













