مقابلة مع بلال خبيز أجرتهاأورسولا بيمان

مقابلة مع بلال خبيز أجرتهاأورسولا بيمان

آخر مرة التقيت فيها ببلال كنت في بيروت حين اجريت معه حديثاً لفيلمي (x-mission).  ومن بين الأمور التي تناولها ذلك الحديث، كان ثمة الحديث عن اختبار كون المرء مقتلعاً من جذوره ولاجئاً إلى حيث لا ينتمي. الميديا لا توثق مثل هذه الأحوال فحسب، إنما أيضاً تجعلها قابلة لأن تكون محتملة عبر انشائها مكاناً افتراضياً للاّمكان.

أورسولا: في آخر محادثة بيننا، قلت ان الفلسطينيين يشغلون مساحة فعلية في متن العولمة. وبالرغم من أن بعضهم موجود في لبنان، إلا أنهم يعيشون خارج زمنه العام، تماماً مثلما يقيم تنظيم القاعدة في زمن الميديا المعولمة، حيث يعيشون  في الصورة وليس في أمكنة محددة. أظنّ أن ثمة علاقة قوية نشأت أو قد تنشأ بين انقطاعك، اليوم، عن مداك الجغرافي الأصلي، واختبار الوقت، من جهة ودور الصورة بوصفها وسيلة ترحيل او انتقال. اليوم، انت تعيش خارج لبنان، ولم يكن ذلك خيارك البتة. أود أن أعيد فتح المحادثة بيننا انطلاقاً من هذه الأفكار، وإلى أي مدى أثّر هذا الاضطراب الزماني – المكاني، او يؤثر في انتاجك ككاتب؟

بلال: هذا صحيح، أعتقد أن الفلسطينيين الذين يعيشون على نحو ملموس على أرض لبنانية، يشكّلون جزءاً من سكان العولمة. إنهم دوماً جاهزون للظهور في صورها، ضحايا بالنسبة للبعض ومجرمون بالنسبة للبعض الآخر. إنما ما كنت أرمي إلى تحديده بعبارة الزّمن العام، ليس من البداهة المتّفق عليها. في لبنان، عشنا تحت تأثير وضغط الّزمن العام لوقت طويل. والحقّ أننا أجرينا مقايضة غريبة أثناء قيامنا بثوراتنا المتعاقبة، حيث قايضنا المكان العام في لبنان بما أسميه الزّمن العام. لقد تدبرنا عيشنا كلبنانيين، في المكان العام لشهور وربما لسنوات. لقد كنا الجمهور الذي يصفق لثوراتنا المجيدة، وضحايا النظام – الأنظمة، التي ثرنا عليها، وأبطال مصائرنا وأقدارنا معاً وجميعاً في آن. هذا ما نتج عن عيشنا في المكان العام. حيث ضيّعنا معناه كلياً حين استعملناه للعيش والتظاهر في الوقت نفسه

شخصياً، لم أستسغ هذا النمط من العيش. الشعوب تحتاج أن تعيش في أمكنتها الخاصة وتعترض أو تعلن ما تريد إعلانه، أفكاراً وشعارات ومطالب، في المكان العام. لا تعيش الأمم في مكانها العام من دون أن تخسر هويتها سريعاً. وعلى الشعوب أن تحذر جيداً من وقوعها في قلب الزمن العام، لأنها ما أن تقع تحت تأثيره حتى تخسر أي قدرة لها على التحكم بمصائرها. أولاً وبداهة، العيش في الزمن العام يجعلنا متعطشين لجذب انتباه من هم خارج الحدود. يحولنا من مواطنين إلى ممثلين، ونصبح قصّراً ننشد أي مساعدة أو اهتمام. في الوقت نفسه، نولي جُلّ اهتمامنا لصورنا وكيفيّة تظهيرها، ونهمل حيواتنا ومستقبلنا وهويتنا. والحال، ما زالت ثوراتنا المجيدة حاضرة على الإنترنت وفي الأرشيف، لكننا واقعاً خسرنا هويتنا كشعب. لذا، اعتقد أن موضوع غربتي القسرية التي تشيرين إليها لم تعد ذات حيثية. على الأقل في ما يخصّني. لقد حرقنا جذور وطننا في احتفالات صاخبة، والآن لم يعد مهماً أين أعيش ما دام المكان الأصلي لم يعد قائماً.

الفلسطينيون من جهة أخرى، أشدّ حضوراً اليوم مما كانوا عليه من قبل. ما زالوا في واقع الأمر يملكون أثاراً من هويتهم، والحق، ان هذه الآثار ما زالت غضّة وفتيّة وقد تعيش معافاة وقوية لوقت طويل. ورغم أنهم بلا أرض يُجسّدون عليها حلمهم، إلا أنهم يملكون خطة للبناء ورؤية لوطنهم المستقل. اللبنانيون ما زالوا يملكون الأرض لكنهم فقدوا روحها.

في اختبار العيش في أميركا، يأخذني العجب من قدرة هذا البلد على تشكيل وحفظ الهويات الصغيرة المهاجرة من كل بقاع العالم. يبدو لي ان أميركا هي المكان الأخير على الأرض حيث يستطيع أيٌّ كان أن يبني فيها هويته الصغيرة ويصرّ عليها، وأحياناً نماذج مصغرة أو مكبرة عن بلاده الأصلية. هنا، أستطيع أن أكون لبنانياً أكثر مما استطيع ذلك في لبنان، وهذا ايضاً ينطبق بالدرجة نفسها على الفلسطينيين والإيرانيين والكوريين… الخ، الذين يستطيعون أن يكونوا ما كانوا عليه أكثر مما يستطيعون ذلك في بلادهم التي جاؤوا منها.

أورسولا: مفهوم، إنما أود أن أشير إلى أن الفائدة، أو ربما التحدي، الذي يطرحه هذا الانتقال القسري بالنسبة لك لن يكون طبعاً اختبار العيش بهوية معرّفة وراسخة، إنما في إيجاد منصة أو موقع جديد يمكنك التكلم من خلاله. بالنسبة لكاتب وصحافي مثلك، كان قادراً على الدوام على تحليل أو رسم صورة للوقائع والأحداث المحلية من مصادرها المباشرة، لا بد أن يتأثر باضطراره للنظر من مكان آخر أو من مكان أبعد. كيف يمكنك أن تصف السياق الذي أعدت تموضعك فيه وفق الشروط الجديدة التي تعيش تحت تأثيرها؟ من تجربتي الخاصة أعرف جيداً أن الانتقال من سياق ثقافي إلى آخر مختلف يؤخر لوقت طويل القدرة على الانتاج مجدداً بعمق

بلال: لا أعرف إن كنت وجدت منصة أخرى للتكلم منها أم لا. حين قدمت إلى لوس انجلس، لسنتين خلتا، كان لدي هدف واحد: الخروج من بلد لم أعد اعرفه ويعرفني. لا أستطيع أن أجزم حتى اللحظة تلك إن كنت قد ملكت آمالاً او أحلاماً في معاودة التكلم. إنما فلنفترض أنني ملكت مثل تلك الآمال

ما تحققت منه باكراً تمثل في أنني هنا في الولايات المتحدة لست سوى قارئ، في حين أنني كنت هناك في لبنان كاتباً. هذا ينطبق ايضاً على الفن. قدمت إلى هنا مع بعض الآمال الفنية، لكنني أدركت مبكراً أن كوني فناناً جيداً في لبنان لا يعني أن أكون فناناً جيداً هنا. هذا لا يتعلق بخبرتي أو ثقافتي، هذا متعلق أولاً وفي الأساس بعلاقتي الشخصية بالمكان الذي انتقلت إليه. هنا، لا أملك أي ذاكرة راسخة لكي أتمكن من خلال امتلاكها أن أنشئ صوتي الخاص في أي عمل قد أنجزه. كتبت نصوصاً كثيرة، لكنها جميعاً بدت كما لو أنها صراخٌ على الورق. بدت كما لو أنها دعوة ملحاحة لأن أكون محبوباً. حين كتبت نصّاً عن لوس انجلس في وقت مبكر من وصولي إلى هنا، بدا لي، كما لو أنه إغلاق نهائي لمشاريعي الفنية السابقة، حتى اليوم يخامرني الشعور نفسه بأنه كان مغلقاً وداكناً.

هذا يذكرني بالياس كانيتي، وهو الشخص الوحيد الذي أعرف أنه استطاع العيش من دون أي انتماء إلى أي بلد. لهذا السبب بدا لي حاداً وجافاً كألم في الحنجرة. أحب كتابته كثيرا، لكنني أفكر: هل أستطيع أن أكتب مثلما يكتب؟ لا أظن. لطالما كان الكتّاب من دون أوطان، كما هي حالي، شاعريين إلى حد لا أستسيغ أن أكونه أنا نفسي.

أورسولا: هل تريد القول أن ثمة تجارب كتابية محدودة جداً تصلح لتكون مراجعاً للمنفيين؟ أو، أي كتابة تلح على ذهنك الآن؟

بلال: ما أردت قوله إن ثمة فارق هائل بين القراءة والكتابة. كما ترين، كنت كاتباً وتعايشت مع واقع كوني كذلك. إنما ثمة كتابات كثيرة في كل مكان لا تغادر الممر الضيق للقراءة. الفارق بين أن يكتب المرء ككاتب أو أن يكتب كقارئ هائل وجليل. ككاتب علي البقاء متصلاً بتجربتي الشخصية. والواقع أنه لطالما كانت الكتابة بالنسبة لي رغبة معذبة. عملياً أتردد وأتعذب كثيراً قبل الشروع في الكتابة. بحسب تجربتي، الكتابة هي غياب مكتمل عن الحياة، ولا تفعل غير ردم هذه الهوّة بين عالم الحياة والموت. كلما حاولت الشروع في الكتابة أشعر بنزاع مرير، أشعر كما لو أنني أدخل مباشرة إلى جهة الموت الحالكة

الكتابة كقارئ هي أمر مختلف تماماً. الكتّاب – القرّاء يحبون التظاهر كراقصين. وهم دائماً فخورون بما يعرفون، وهذا الفخر يبدو بالنسبة لي جنوحاً كليانياً. لا أحب المعرفة المنتشية بنفسها، ولم أطقها يوماً. المعرفة بالنسبة لي هي ضرب من التعذيب. كان النفري يقول: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.

أورسولا: أفهم من كلامك أن مصادر الكتابة، أو محفّزاتها بالنسبة لك ليست نصوصاً سابقة، إنما تجربتك الشخصية، ملاحظاتك، إنتاج المعرفة من الحفر، على نحو ما. أقدر تماماً حدود العذاب الذي يرتبط بصعوبات تطويع اتساع الرؤية لملاءمة ومعالجة قضايا محددة وفرعية من دون تغليفها بلغة جامعة او شعرية

بلال: صحيح، إنما لا يتعلق الأمر بالمصادر المباشرة، إنها مسألة تموضع. لا نستطيع الاستحمام في النهر نفسه مرتين. أنا هنا والآن، بصرف النظر عن المكان والزمان، ولا أحد يستطيع أن يقوم مقامي في موقعي الخاص هذا. لهذا لا بد أنني أعمل من هذا الموضع الذي أنا فيه. مبدئياً، أنا أبدأ يومي بالاعتراض على ما قرأته من قبل. ما كتب من قبل هو ناقص أبداً، وإلا ما كنا لنستكمله بالكتابة. ما أسعى إليه هو بناء ممر ضيق، حجراً فحجراً، وأحياناً بأحجار مستعارة من آخرين، ممر كتابي ضيق يشق طريقاً خاصة له بين هذه الشوارع العريضة التي شقها الكتّاب الذين سبقوني

أورسولا: لكنك تتفق معي من دون شك أن ثمة أوقات كان فيها أثر النقد بالغ الأهمية وأحياناً كان الوسيلة الوحيدة للمضي قُدماً؟

بلال: هذا يذكرني مجدداً بكانيتي، الذي كتب ذات مرة عن كاتب ألماني مجهول كان يعيش في ألمانيا في زمن الحرب العالمية الثانية. حين ذرت الحرب قرنها، كتب نصاً هو أشبه ببيان استقالة من الكتابة، قال: “لست كاتباً حقيقياً، لو كنت كذلك لاستطعت منع الحرب من أن تحدث”. من جهتي، ينبغي علي ان أقول، لست كاتباً جيداً، لو أنني كذلك، كنت حفظت نفسي من أي منفى. المرء في المنفى يشبه الجندي في المعركة. يستطيع ربح المعركة، لكنه أبداً لا يستطيع ربح الحرب، دائماً سيواجه مخاطر المعركة المقبلة. إنه من الناجين ولن يكون مواطناً ابداً

جزء من محنتي في المنفى أنني أعيش هنا من دون ذاكرة. لأن الذاكرة تحتاج أمكنتها. ليست متعلقة فقط بالناس، الأصدقاء، والعائلة. حين كنت في المعتقل أثناء احتلال اسرائيل لبعض لبنان في الثمانينيات من القرن الماضي، أقمت صداقات عديدة مع زملائي في المعتقل، وكنت أؤكد لنفسي أنني سأحافظ على هذه الصداقات حية بعد خروجي من المعتقل. لكنني لم أفعل، لأن الصداقات مرتبطة بأمكنتها، لا أحد يبني صداقة في الهواء. ما زلت أفكر احياناً باستعادة هذه الصداقات، لكنني منذ إطلاق سراحي أدركت انه جهد لا طائل تحته.

أورسولا: من الواضح أنك لامست مسألة أساسية تتعلق بأي مستوى تريد لمداخلاتك الكتابية أن ترتفع. على أي حال، وحين نتكلم عن الفن، أفكر دائماً بمثل هذه السياقات الخفية والمعقدة، أكثر مما أفكر بالتأثيرات المباشرة للوقائع والأحداث. لوقف الحروب وتجنب المنافي، كيف تحدد مستوى حقل اهتماماتك في مشروعك الذي حمل عنوان “اللحظة التي تفتح فيها عينيك هي لحظة الفاجعة” والذي أعتقد أنه انعكاس رائع لبيروت وحرب تموز العام 2006؟

بلال: في البداية أود أن أشير إلى كوني كتبت الكتاب بالعربية ثم قمنا بترجمته إلى الانكليزية. بالعربية “اللحظة التي تفتح فيها عينيك” تحمل معنيين على الأقل، الأول هو ما يُحيل إليه النص الانكليزي، حين يدخل كائن أو شيء ما في نطاق رؤيتنا، والثاني يُحيل إلى معنى تحذيري “انتبه لما يجري، ابق متيقظاً”. ما قصدته هو التالي: كأي شخص آخر هناك، عشت كما لو كنت حارساً، شخص يحتاج لأن يبقى متيقظاً ومنتبهاً على الدوام. تاريخنا أساساً هو سلسلة لا تنقطع من الحروب والدماء، ما أن تنتهي حرب حتى تندلع أخرى. كثيرون هناك، ومن بينهم نخبنا الثقافية اعتادوا على اعتبار العيش في ظل هذه الشروط  “ثورة”. وقد يكون ذلك صحيحاً على وجه من الوجوه، إنما حين تتحول هذه الشروط إلى نمط حياة يستحيل أن تبقى ثورة

هذا يذكرني بدلوز والسياق الثوري الذي اعتاد ترداد لازمته. أعتقد أن هذه النظرية هي نظرية كارثية. الثورة لا تختلف عن مساراتها. إنها في واقع الأمر مؤسسة تمويت. الثورة ليست إلا بيان نعي، وإنجازها الكبير هو تنظيم الجنازات. في ظل هذه الشروط التي كان ينبغي علينا العيش فيها، وجدت نفسي في الموقع المناقض لماريو فارغاس يوسا الذي يهتم للأشجار في الكتب وليس في الطبيعة. بالنسبة لي أود العناية بالأشجار في الطبيعة وليس في الكتب والصور. وحين أنجح في منحها عنايتي أستطيع النوم بعمق. على الأقل أصبح واحداً من الأحياء الذين ينتظرون الموت، وليس كما يقترح جان بودريارد، “الذين يسعون إلى الموت”.

 .ترجم إلى العربية من قبل بلال خبيز

5/8/2010